السيد علي الطباطبائي

36

رياض المسائل ( ط . ق )

عهد رسول اللَّه ص ينحلون ويهبون ولا ينبغي لمن أعطى لله عز وجل شيئا أن يرجع فيه قال وما لم يعط اللَّه وفي اللَّه فإنه يرجع فيه نحلة كانت أو هبة خيرت أم لم تخر الحديث ونحوه الموثق وغيره ولذا صار أعم من الصدقة لاشتراطها بالقربة دونها كما أنها أعم من الهدية لافتقارها إلى قيد دونها هو أن تحمل من مكان إلى مكان الموهوب له إعظاما له وتوقيرا ولهذا يطلق لفظها على العقارات الممتنع نقلها ويعبر عنها تارة بها وأخرى بالنحلة والعطية ويطلق كل منهما على مطلق الإعطاء المتبرع به فيشملان الوقف والصدقة والهبة والسكنى فهما أعم منها [ ولا بد فيها من الإيجاب والقبول ] ولا بد فيها بعد أهلية التصرف في الواهب وقابلية التملك الملك في الموهوب له من الإيجاب الدال على تملك العين ولو من غير عوض كوهبتك وملكتك وأعطيتك ونحلتك واهتديت إليك وهذا لك مع نيتها والقبول الدال على الرضا كقبلت ورضيت بلا خلاف ولا إشكال إن أريد مطلق ما يدل عليهما ولو فعلا ويشكل إذا أريد ما يدل عليهما لفظا لصدق الهبة مع عدم اللفظ الدال عليهما حقيقة إن تحقق ما يدل عليهما فعلا فتدخل في العمومات الدالة على جوازها ولزومها وسائر أحكامها إلا أن ظاهر الأصحاب الاتفاق على اعتبار العقد القولي كما يظهر من الكفاية وصرح به في المسالك قال فعلى هذا ما يقع بين الناس على وجه الهدية من غير لفظ يدل على إيجابها وقبولها لا يفيد الملك بل مجرد الإباحة حتى لو كانت جارية لم يحل له الاستمتاع بها لأن الإباحة لا تدخل في الاستمتاع وحينئذ لا إشكال في اعتبار اللفظ وسائر ما وقع عليه الاتفاق أو يحكى عليه إن كان من العربية والفورية دون الماضوية فإنه لا يشترط فيه هنا قولا واحدا كما حكاه بعض أصحابنا قال لجوازها على كثير من الوجوه ودون الهدية لعدم الاتفاق على ذلك فقد احتمل في الدروس وفاقا لظاهر التذكرة وصريح ير عدم اعتبار اللفظ فيها لأن الهدايا كانت تحمل إلى رسول اللَّه ص من كسرى وقيصر وسائر الملوك فيقبلها ولا لفظ هناك واستمر الحال من عهده إلى هذا الوقت في سائر الأصقاع ولهذا كانوا يبعثون على أيدي الصبيان الذين لا يعتد بعباراتهم قال ومارية القبطية كانت من الهدايا واستحسنه في المسالك وهو كذلك لا لما مر من التعليل فإنه كما قيل عليل بل لما مر من لزوم الاقتصار فيما خالف العمومات على مورد الوفاق المقطوع به أو المحكي وهما مفقودان في المقام لوجود الخلاف واستحسان الحاكي له القول بالعدم الذي حكاه عمن مر وهو لا يجتمع مع الإجماع الذي حكاه لو عم المقام وإلا لما استحسن [ ولا بد فيها من القبض ] ولا بد فيها من القبض أيضا بلا خلاف بل عليه الإجماع في المسالك وغيره كما يأتي وهو الحجة مضافا إلى المعتبرة منها الموثق والمرسل القريب منه بفضالة وأبان عن النحل والهبة ما لم يقبض حتى يموت صاحبها قال هي بمنزلة الميراث وإن كان الصبي في حجره فهو جائز وقريب منها الخبر الهبة لا تكون هبة أبدا حتى يقبضها وصريح الأولين وظاهر الثالث كالعبارة وما ضاهاها من عبائر الجماعة أن القبض شرط للصحة وبه صرح الحلبي والأكثر كما حكاه الحلي بل عن ظاهر الدروس والمحقق الثاني وصريح التذكرة ونهج الحق وفخر الإسلام الإجماع عليه وهو حجة أخرى زيادة على الخبرين المعتبر أحدهما في نفسه بما مر مضافا إلى اعتباره كالآخر بالشهرة المطلقة التي حكاها الحلي والمتأخرة التي حكاها جماعة من الأجلة مع سلامتهما كالإجماع المحكي عما يصلح للمعارضة لما ستعرف من الجواب عن الأخبار الآتية وعدم قدح بخروج معلوم النسب على تقديره في حجية الإجماع مطلقا محققة ومحكية كما عليه الأصحاب كافة فإذا لا مسرح عن هذا القول ولا مندوحة سيما مع تأيده بأصالة بقاء الملك لمالكه إلى أن يتحقق الناقل وليس سوى الأمر بالوفاء بالعقود وما قيل من المعتبرة المستفيضة منها الصحيح الهبة جائزة قبضت أو لم تقبض قسمت أو لم تقسم والنحل لا يجوز حتى تقبض وإنما أراد الناس ذلك فأخطأوا والموثقان بأبان المجمع على تصحيح رواياته وروايات الراوي عنه فيهما وفيهما إذا تصدق الرجل بصدقة أو هبة قبضها صاحبها أم لم يقبضها علمت أو لم تعلم فهي جائزة وفي الجميع نظر لاندفاع الأول بالإجماع على خلافه إن أريد به ظاهره من لزوم الوفاء بالعقد كيف لا ولا خلاف في جواز الرجوع فيها قبل القبض مطلقا وإن أريد به لزوم الوفاء بمقتضى العقد من لزوم أو جواز فلا يدل على المطلوب لتوقف الدلالة حينئذ على ثبوت المقتضي من خارج وأنه الصحة وهو أول الدعوى وقصور النصوص أولا عن المكافأة لما مر من الأدلة المعتضدة بالأصل والشهرة المحققة والمحكية وثانيا بحسب الدلالة بإجمال القابض هل هو الواهب أو الموهوب له وهي لا تتم إلا على التقدير الآخر دون الأول إذ المراد منها هنا على هذا التقدير جواز هبته ما لم يقبض لا جوازها وإن لم تقبض وإذا جاء الإجمال بطل الاستدلال مع تأيد الاحتمال الأول والمراد منه بيان جواز هبته ما لم يقسم بعد ذلك في الخبر الأول بقوله قسمت أو لم تقسم ردا على العامة المانعين عن هبته وبقوة احتمال ورودها مورد التقية بناء على ما يستفاد من تتبع أخبار الهبة أن المراد بالجواز حيث يطلق فيها اللزوم دون الصحة ألا ترى إلى الخبرين أحدهما الموثق كالصحيح يجوز الهبة لذي القرابة والذي يثاب من هبته ويرجع في غير ذلك إنشاؤهما كغيرهما كالصريحين بل صريحان في أن المراد من الجواز المطلق في الصدر من دون قرينة ما يقابل جواز الرجوع الذي ذكر في الذيل حقيقة وعلى هذا يحتمل قويا أن يكون المراد من الجواز في هذه النصوص هو اللزوم كما فهمه الشيخ في صار لا الصحة كما فهمه جماعة وحينئذ فلم يقل بهذه النصوص أحد من الطائفة ويحتمل حملها على التقية فإن ذلك مذهب بعض العامة كما يستفاد من صار والغنية وبذلك صرح شيخنا في صار في الجواب عن النصوص المزبورة بناء على فهمه اللزوم من الجواز فيها كما قدمناه قال بعد احتماله حملها على الاستحباب وذكره القدح في الصحيحة بتضمنها الفرق بين الهبة والنحلة فيما تضمنته والحال أنه لا فرق بينهما في ذلك اتفاقا فتوى ورواية ويجوز أن يكون خرج مخرج التقية وهو في غاية الجودة إلا أن احتمالها في الصحيحة لا يخلو عن مناقشة لإباء سياقها عنه إلا بمشقة وكلفة وكيف كان فلا حجة في هذه الأدلة على من جعل القبض شرط الصحة وإن انتصر بها عليهم من المتأخرين جماعة زاعمين لأجلها أن القبض شرط اللزوم دون الصحة وفاقا للمحكي عن ظاهر الشيخين وضى وابن حمزة فإنها كما عرفت لا دلالة فيها صريحة بل ولا ظاهرة ومع ذلك لا معنى لجعله شرط اللزوم في مطلق الهبة بعد الاتفاق على عدم اللزوم بعد القبض إلا في مواضع قليلة وتخصيص ذلك بتلك